علاج على المقاس لكل سرطان
ظل السرطان لعقود يُعامل كأنه مرض واحد له أسماء متعددة: سرطان الرئة، الثدى، القولون، الجلد..إلخ، مجرد ورم تتكاثر فيه الخلايا بجنون، لكن العلم الحديث اكتشف أن الحقيقة أكثر تعقيدًا، فالسرطان ليس مرضًا واحدًا، بل مئات الأمراض المختلفة، بل إن مريضين مصابين بسرطان العضو نفسه قد يحمل كل منهما ورمًا مختلفًا تمامًا من الناحية الجينية، من هنا تأتى أهمية الخبر الذى احتل مقدمات نشرات الأخبار فى القنوات العالمية، وهو التطور الجديد الذى حققته شركتا Moderna وMerck فى علاج الميلانوما، أخطر أنواع سرطان الجلد، باستخدام تقنية mRNA التى عرفها العالم على نطاق واسع فى أثناء جائحة كورونا، العلاج الجديد، المعروف باسم intismeran autogene أو mRNA-4157/V940، ليس لقاحًا تقليديًا يمنع الإنسان السليم من الإصابة بالسرطان، وإنما علاج مناعى شخصى يُصنع خصيصًا لمريض بعينه بعد ظهور الورم واستئصاله.
وكلمة «شخصي» هى مفتاح القصة كلها، لفهم الفكرة، علينا أولًا أن نفهم مشكلة السرطان، الخلية السرطانية كانت فى الأصل خلية طبيعية من خلايا الجسم، لكنها تراكمت بداخلها طفرات فى الحمض النووى، جعلتها تنمو وتنقسم بلا ضابط، ومع استمرار الانقسام تظهر طفرات أخرى، ولذلك قد يصبح الورم نفسه أشبه بمدينة تسكنها جماعات مختلفة من الخلايا السرطانية، بعضها يستجيب للعلاج، وبعضها يقاومه، وبعضها يستطيع الهروب والانتشار إلى أعضاء أخرى، وهذا التنوع الجينى أحد أكبر الأسباب التى تجعل علاج السرطان صعبًا، هنا جاءت الفكرة العبقرية، لماذا نصنع دواءً واحدًا لكل المرضى إذا كان لكل ورم بصمته الخاصة؟، بعد استئصال ورم الميلانوما، يأخذ العلماء عينة منه، ويدرسون المادة الوراثية للورم ويقارنونها بالخلايا الطبيعية للمريض، ومن خلال الكمبيوتر يمكن تحديد طفرات الورم التى أنتجت بروتينات غريبة تسمى neoantigens، أى علامات جديدة تستطيع المناعة من حيث المبدأ تمييزها عن أنسجة الجسم الطبيعية، بعد ذلك يُصنع للمريض لقاح mRNA يحمل تعليمات لمجموعة مختارة من هذه العلامات الخاصة بورمه، يدخل اللقاح الجسم، فتقرأ الخلايا رسالة الـmRNA وتعرض تلك العلامات أمام جهاز المناعة، وكأن العلماء يقدمون إلى الخلايا المناعية ألبوم صور للمجرمين المطلوب القبض عليهم، هذه هى ملامح خلايا السرطان، ابحثوا عنها واقتلوها، لكن السرطان الخبيث يمتلك حيلة أخرى، فهو يستطيع الضغط على «فرامل» جهاز المناعة حتى لا يهاجمه، ولذلك جُمِع اللقاح الشخصى مع عقار (Keytruda (pembrolizumab، أحد أشهر أدوية العلاج المناعى، فإذا كان لقاح mRNA يعلّم المناعة مَن هو العدو، فإن Keytruda يساعد فى إزالة الفرامل التى تمنع جهاز المناعة من الهجوم، النتائج أصبحت شديدة الأهمية، ففى تجربة المرحلة الثانية، أدى الجمع بين العلاجين لدى مرضى الميلانوما عالية الخطورة بعد الجراحة إلى انخفاض خطر عودة المرض أو الوفاة بنحو 49% بعد متابعة استمرت قرابة خمس سنوات مقارنة باستخدام Keytruda وحده، ثم جاءت الخطوة الأكبر فى أغسطس 2026، عندما أعلنت الشركتان نجاح تجربة المرحلة الثالثة التى ضمت أكثر من ألف مريض، حيث حقق العلاج المركب تحسنًا ذا دلالة إحصائية فى منع عودة السرطان وكذلك فى منع أو تأخير انتشاره إلى أماكن بعيدة، ومع ذلك، يجب تجنب العنوان المضلل «اكتشاف علاج نهائى للسرطان»، فالعلاج لم يصبح حتى الآن علاجًا معتمدًا بصورة نهائية، والبيانات التفصيلية الكاملة للمرحلة الثالثة ما زالت مهمة للحكم على حجم الفائدة، كما نحتاج إلى معرفة تأثيره طويل المدى على بقاء المرضى أنفسهم، لكن قيمة الاكتشاف الحقيقية قد تكون أكبر من الميلانوما، فنحن نقف أمام ثورة فى فلسفة علاج السرطان نفسها، فى القرن الماضى كان السؤال: أين يوجد السرطان؟، فى الرئة أم الثدى أم الجلد؟، أما طب المستقبل فيضيف سؤالًا ربما يكون أهم: ما الطفرات الموجودة داخل هذا الورم بالتحديد؟، قد يأتى يوم يدخل فيه مريض السرطان المستشفى، فتؤخذ عينة من ورمه، ويُقرأ جينوم السرطان بسرعة، ثم تستخدم الخوارزميات والذكاء الاصطناعى لتحديد أخطر طفراته، وبعدها يُصنع له مزيج علاجى خاص، دواء يستهدف طفرة معينة، وعلاج مناعى يحرر جهاز المناعة، ولقاح mRNA يدربه على التعرف إلى البصمة الخاصة بالورم، بل إن المستقبل قد يذهب أبعد من ذلك، فالسرطان كائن متطور داخل الجسم، فى أثناء العلاج قد تموت معظم الخلايا وتنجو مجموعة تحمل طفرات مقاومة، ثم تتكاثر من جديد، لذلك يمكن تخيل عصر نراقب فيه الورم باستمرار عن طريق الحمض النووى السرطانى المتسرب إلى الدم، فإذا ظهرت طفرة جديدة، نكتشفها مبكرًا ونعدّل العلاج أو اللقاح لمطاردتها، أى أن العلاج قد يصبح عملية تتطور مع تطور الورم نفسه، وهنا تكمن ثورة mRNA، سهولة تغيير الرسالة التى يحملها، فبدلا من أن نقضى سنوات لتطوير دواء جديد من الصفر، يمكن من حيث المبدأ إعادة تصميم الرسالة لتناسب هدفًا مختلفًا، لاتزال أمام العلماء عقبات ضخمة مثل التكلفة الباهظة، ومدة تصنيع العلاج، واختيار الطفرات الصحيحة، وعدم استجابة جميع المرضى بالطريقة نفسها، ومع ذلك، نحن أمام بداية تحول تاريخى، قد لا نكتشف يومًا «دواءً واحدًا يقضى على السرطان»، لأن السرطان نفسه ليس عدوًا واحدًا، الحل قد يكون العكس تمامًا، آلاف العلاجات لآلاف الأورام، لقد حلم الطب طويلًا بالرصاصة السحرية التى تقتل السرطان، وربما يخبرنا عصر الجينوم وmRNA أن الرصاصة السحرية لن تكون رصاصة واحدة، وإنما رصاصة تُفصَّل لكل مريض، وتحمل عنوان ورمه وبصمة طفراته واسمه الجينى الخاص.
* عن الأهرام..
