غزة الجريمة

هذا كتاب وجدته فى المكتبات بالصدفة البحتة، شدَّنى عنوانه: غزة الجريمة. ومؤلفه: ديونيسيو خيمينيت، وترجمته: مها عبدالرءوف، ونشرته إحدى دور النشر التى أتعامل معها لأول مرة. ومن الواضح أنها دار تختار كتبها بعناية ودِقَّة، وهى دار المحتوى العربى.

والكتاب مُهدى إلى غزة جُرح العالم، وفى تقديمها للترجمة تكتُب المترجمة أن هناك من يقاوم الإبادة بالحجارة، وآخرين يختارون المشاركة فى الاحتجاجات. لكن الكاتب الإسبانى مؤلف الكتاب اختار اللجوء للكلمات ليس لدعم غزة وأهلها فى مواجهة العدوان الإسرائيلى فحسب، بل للوقوف فى وجه طوفان التناول الإعلامى المنحرف لهذه القضية خاصة فى الغرب.

«غزة الجريمة» ربما يكون تجربة ليست مألوفة للقارئ العربى، إذ تُمثِّل واحدة من المرات القليلة التى تصدر فيها آهات الألم على جُرح فلسطين من الجانب الذى التزم الصمت لحد التواطؤ إزاء هذه القضية. وبالنسبة لى فغزة هى الألم الذى أصحو عليه وأنام على أخباره، هذا إن نِمت. فهى جريمة يقابلها العالم خاصة الغربى بقدرٍ كبيرٍ من التواطؤ.

وهذا الكتاب الذى يقع فى ثلاثمائة صفحة من القطع المتوسط قِطعة من الألم غير العادى الذى عايشه مؤلف الكتاب، ولابد أن نُحيى مترجمته ودار النشر التى نشرته، فنحن فى أمس الحاجة أن نشعر أن غزة ليست قضية الفلسطينيين وحدهم، وليست قضية العرب فقط، ولا المسلمين، بل هى قضية العالم كله الآن، وعلينا أن نتكاتف لمواجهتها بشجاعة ونُبل لا نجده فى كثير من الكتابات التى تنظر للأمر على أنه أمرٌ عادي.

يكتُب المؤلف أنه قابل سليم وهو إنسان فلسطينى، كان مريضا يُعالج فى المستشفى، كان قد وضع حذاءه بعناية بجوار باب الحمام، كما طوى بنطاله وقميصه الأبيض وربطة عُنقه ووضعها بعناية على ظهر الكرسى، لأنه لا توجد شمَّاعة فى الدولاب. نظر إلى ملابسه بطرف عينيه كما اعتاد أن يفعل بمحل الملابس الجاهزة، وكان عنوان المحل: الأربعون حرامى. واستمر يدفع الأقساط حتى نجح فى تسديدها.

وهكذا تمكَّن من الزواج رغم الظروف الصعبة والعصيبة، وكانت حركة حماس قد دأبت على تقليد نبيل بدعوة جميع المتزوجين حديثا لقضاء ليلة الزفاف فى فندق رشيد المملوك للتاجر أبو نبيل، وأنا شخصياً كاتب هذا الكلام لى موقف محدد من حركة حماس، ولكن لأنها تحاول تحرير فلسطين فأنا أتغاضى عن كثيرٍ مما فى دعوتها، وهو تغاضٍ مؤقت مرتبط بطبيعة القضية التى يعملون من أجلها، ونتمنى لهم النجاح وانتصارهم على العدو الإسرائيلي.

وكاتب هذا الكتاب يستخدم جنسيته الأوروبية للدخول إلى هناك، أما بالنسبة لى شخصياً، فالأمر من رابع المستحيل حتى أن أُفكِّر فيه. فقضية فلسطين الجميع معها لكن هناك مسألة مؤجلة إلى أن تقوم دولة فلسطين وعاصمتها القدس الشريف.

هذا الكتاب هزَّنى من الأعماق بسبب التفاصيل الكثيرة التى تملؤه، خاصة غطرسة العدو الإسرائيلى وإجراءاته غير الإنسانية التى يقوم بها، وكنتُ أقرأ وأنا سعيد بالكتابة لأن هذا الكاتب أوروبى ذهب ليرى ورأى ما لم يكن يتصور وجوده على الإطلاق. رأى عملية إبادة كاملة لكل ما هو فلسطينى من أجل الدولة الاستعمارية التى جاءت بهدف أن تبقى هنا.

يكتُب الكاتب: فى الماضى كان لإسرائيل جيران، وهى كلمة تستحق التوقف أمامها لأن جيرانها أعداؤها. ويُكمل: أما اليوم فهى تبحث عن شُركاء فى سوق الأرض الموعودة، لقد انتصرت واستعادت الأرض ولم يعُد هناك ما يمكن أن يعوق استقرارها أو بريق الفكرة التى تقوم عليها أن تكون خادِمة للموت.

إنه كتاب بقدر ما أدهشنى وأعجبنى، ففيه أيضا الكثير مما رفضته، ولم أكن أنسى لحظة واحدة أن كاتبه أتى من بلاد أخرى وأرض مُغايرة وحضارة مختلفة، لذلك فإحساسه بالجريمة الإسرائيلية النكراء مختلف تماما عن إحساس الفلسطينيين والعرب الذين يحيطون بهم من كل ناحية.

صحيح أنه يصف الإسرائيليين بكل الأوصاف التى استطاع أن يأتى بها كغُزاة وكمُحتلين وكمُصادرين للأراضى، وهى كلها أمور قرأتها بضمير مرتاح ونفسٍ راضية، ولكن كيف تصل كلمات هذا الكتاب عن جريمة غزة التى صنعها الإسرائيليون إلى كل قارئ عربى، وفى المقدمة منهم الفلسطينيون؟

والكاتب يُدرك آخر مدى ما يمكن أن يفعله، فهو يكتب بوضوح كامل أن الكلمات لا تستطيع أن توقف القنابل، لكنها يمكن أن تتصدى لمن يطلقونها، وهذا ما تحاول هذه المجموعة بقصصها الإحدى عشرة القيام به. ويعترف بأن الأعمال الأدبية القليلة للغاية التى تصدر عن كاتب غربى لدعم القضية الفلسطينية وفضح الأكاذيب الإسرائيلية، أنها أعمال قليلة. وإن كانت قصص إنسانية واقعية وأخرى خيالية تحاول إحداث تأثير الفراشة على أمل أن يحدُث تغيُّر صغير جداً فى البداية يمكن أن يؤدى إلى نتائج كبيرة وغير متوقعة. وصاحب الكتاب مولود سنة 1947، أى قبل النكبة بسنة، وهو أديب إسبانى، له العديد من الأعمال الأدبية التى تقف مع الحق الفلسطينى والحقوق العربية. أما مترجمة الكتاب مها عبدالرءوف فلها كتاب لجارثيا ماركيز: غريق على أرض صلبة، ونهاية اللعبة للكاتب الأرجنتينى خوليو كورتاتر، علاوة على قصص للأطفال وكتب أخرى مُترجمة عن الحق العربى والفلسطيني.

الفصل الأخير من الكتاب يصف زيارة قام بها نيتانياهو لأحد المبانى الفلسطينية، ويكتُب عنه: الشيطان هو ابتسامة الغاضب، والشر هو جوهر المادة الكونية، وقد أصغى نيتانياهو بانتباه لكلمات الترحيب التى قيلت تكريماً له، وإن كان قد لاحظ أمورا كثيرة خلف الضوء الذى كان ينير له الطريق. أى طريق لمحتل وغاصب مثل نيتانياهو الذى قال له الفلسطينيون: أهلاً هتلر؟.

* عن الأهرام..

 

التعليقات