«فضفضة» عتبة السلم!!
من أشهر العادات المصرية أحاديث السلم، أقصد سلم البيت. بعد أن تتم مراسم الوداع، تجد أن جزءا معتبرا من الحوار يجرى داخل تلك المساحة الضيقة على (العتبة)، بينما أضاعوا الوقت الأصلى أثناء الزيارة، والباب مغلق عليهم، ولديهم الوقت الكافى للمناقشة بجرأة دون خوف من الثرثرة، أو من انتقال جزء من الحوار للجيران، خاصة أن الباب المغلق لجارك لا يعنى بالضرورة أن أذنه ليست معك، وهو ما نطلق عليه (تلميع الأوكرة)، هل ينتهى الأمر بعد حديث (العتبة)؟، فى العادة يتحول إلى عادة، ونكرر بين الحين والآخر مشهد (العتبة).
لم تكن المرة الأولى التى يوجه فيها الكاتب الصحفى، نقيب الصحفيين السابق، رئيس هيئة الاستعلامات السابق، ضياء رشوان، هذا النداء، وإن اختلف التوصيف، وهو يبدو أقرب إلى الحلقة المتوسطة بين الدولة والمثقفين.
الأستاذ ضياء يعلم كل شىء كصحفى وأيضا إعلامى، ويدرك جيدا أن مساحة الحرية تتحدد وفقا لما يريده التوجه الرسمى، وكثيرا ما أشار الرئيس فى كلماته إلى ضرورة ممارسة الحرية، ورحب بانتقاده شخصيا، عند الممارسة الفعلية. هناك مَن يتصدى لأى هامش، بحجة أنهم تجاوزوا الخطوط الحمراء، وتستطيع أن ترى داخل الدولة عددا من المؤسسات الإعلامية والنقابية أيضا بنسبة كبيرة لا تملك حق التعبير. هناك دائما محددات تبدأ بنظرة عتاب، سرعان ما تصبح نظرة ارتياب، وتجد أن عليك إبراء ساحتك من تلك النظرة التى تعنى الإقصاء التام.
هل أعيد عليكم تجربة تمت داخل التليفزيون الرسمى، فى عام ٢٠٠٤. أدركت الدولة أهمية ذلك، وفى عهد دكتور ممدوح البلتاجى، الذى انتقل من وزارة السياحة إلى الإعلام، وأطلق على برنامج تميز بهامش غير مسبوق من الحرية، (البيت بيتك)، البرنامج الذى كان يعده الإعلامى والصحفى الموهوب، محمد هانى، أحدث نقلة نوعية، وصارت كل العيون تتوجه للتليفزيون المصرى. البرنامج لم يقف مؤكدا على الجانب الآخر من الدولة، ولكنه تمتع بمساحة حقيقية، إن صح التوصيف، من (الفضفضة) الإيجابية. كان محمود سعد يقدم وجهة نظر المواطن الغاضب، بينما تامر أمين يعبر عن وجهة نظر الدولة المتحفظة، ووصل البرنامج إلى الذروة فى المشاهدة لأنه أدرك أن الطريق الوحيد لكى توجه الدولة رسائلها إلى الناس هو أن يصدقهم الناس، كما أن البرنامج تمتع على المقابل بهامش من الحرية الإنتاجية، وكانت المعادلة متوازنة. حاول التليفزيون، قبل نحو شهرين أو ثلاثة أشهر، تكرار التجربة، وتم استدعاء محمود سعد فى الحلقات الأولى، وأطلقوا عليه اسم (من ماسبيرو). لم يستطع البرنامج أن يحقق شيئا. مر وكأن شيئا لم يكن لأنهم لم يمنحوه أكسير البقاء، وهو الرأى الآخر، ولم يسمحوا له باستقلال مالى يتيح له سرعة الحركة فى استقطاب الضيوف. الكل يدرك أن المشكلة هى سقف المسموح.
هل الكاتب الصحفى، أحمد المسلمانى، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، هو الذى يحدد السقف، أم أنه بحكم خبرته يعلم بالضبط أين يقف، وبحكم خبرته أيضا فإنه لا يصل أبدا إلى سقف المسموح، فيهبط درجة أو درجتين لأن هذا يُرضى المسؤولين؟. المنطقة الآمنة إعلاميا هى فقط ما يسمح المسلمانى بالتحرك داخلها فى الإعلام الرسمى، وهو ما انعكس على كل القنوات الأخرى، وتلك المنطقة تحديدا هى العائق الأكبر أمام تحقيق المصداقية.
هل هناك قناعة من الدولة بفتح باب؟. إذا كانت الإجابة نعم، إذن (بلاها فضفضة)، ومارسوا فورا الحرية بعيدا عن أحاديث (عتبة السلم)!!.
* عن المصري اليوم..
