مرافعات سيف.. من كنيسة القديسين إلى حل محاكم أمن الدولة
كل شيء ينتهك كرامة الإنسان يصبح انتهاكا لحقوق الإنسان. هذه الجملة تلخص رؤية الراحل أحمد سيف عبدالفتاح، وهي أيضا الجملة الموجودة على ظهر كتاب جديد طُرح في المكاتب بعنوان "مع سيف"، والذي يضم سبع مرافعات في قضايا شديدة الأهمية منها "الحق في التظاهر، والحق في الإضراب، والحق في محاكمة عادلة".
الكتاب الذي كتبت مقدمته زوجته ليلى سويف، ورسم غلافه وليد طاهر، يحتوي على دراسات ومذكرات قانونية في قضايا شغلت الرأي العام لفترة، أعدها للنشر عزيزة الطويل وطاهر أبوالنصر، وهما من تلاميذ المحامي الحقوقي الكبير، ليقدما فيه نماذج من الجهد الذي كان يبذله سيف في سبيل تعميق فهم الأجيال الجديدة لمعنى دولة القانون التي تصون كرامة الإنسان.
القضية الأولى هي مذكرته للدفاع عن 8 شباب قبض عليهم أثناء تظاهرة أمام كنيسة العذراء بشبرا يوم 3 يناير 2011، بعد مرور 3 أيام فقط على تفجير كنيسة القديسين بالإسكندرية، حيث كان أحد الداعين لها الشهيد مينا دانيال الذي استشهد في أحداث ماسبيرو. وكانت التهمة الموجهة للشباب المقبوض عليهم هي تهمة تكدير السلم والأمن العام، وانتهت الجلسة الأولى بإخلاء سبيل كل المتهمين، إلا أنه بعد عام وبضعة أشهر، وتحديدا في 29 مارس 2012، أصدرت المحكمة حكما بالحبس لكل منهم سنتين مع كفالة لإيقاف التنفيذ.
انتقلت القضية إلى محكمة جنح مستأنف شمال القاهرة التي نظرت القضية في جلستين، وفي 28 مايو 2012 صدر حكم ببراءة جميع المتهمين. لم يكن سيف عبدالفتاح مجرد محام في هذه القضية، بل كان صمام الأمان لكل المتهمين فيها، والمتابع الأكثر إخلاصا ودأبا على حضور كل جلساتها طوال عام ونصف.
أوراق قضية أحداث السفارة السعودية والإسرائيلية موجودة أيضا بين دفتي الكتاب، وهي الخاصة بتظاهرات الشباب أمام السفارتين المذكورتين، بسبب استشهاد جنود مصريين برصاص جيش الاحتلال الإسرائيلي على الحدود في مايو 2011، وإساءة السلطات السعودية للمعتمرين المصريين، وهي الأحداث التي دفعت الكثيرين للتظاهر احتجاجا، ومن ثم قبض على العشرات فيها.
تولى سيف الدفاع عن الشباب، مستخدما دفوعا لتبيان العوار الدستوري الذي يشوب إنشاء محاكم أمن الدولة وكذا قرار إنشاء نيابة أمن الدولة وتحديد اختصاصاتها، فضلا عن دفوعه الموضوعية وتفنيده لكل عناصر الاتهام التي قدمتها النيابة، وبالفعل انتهت القضية بحكم مع إيقاف التنفيذ.
ويذهب معدا الكتاب إلى دراسة ما قدمه سيف في قضية "الحق في التنظيم"، حيث دافع عبدالفتاح عن حق قيد وإشهار مؤسسة المرأة الجديدة عام 2003، بعد أن رضخت وزارة الشؤون الاجتماعية لتعليمات الأمن في منع تأسيس المؤسسة، إلا ان القضاء الإداري انتصر للمؤسسة ضد الوزارة، وأصدر قرارا بوقف تنفيذ قرار "الشؤون الاجتماعية" بالامتناع عن قيد وإشهار مؤسسة "المرأة الجديدة" في 26 أكتوبر 2003.
"الحق في الإضراب" كان موضوع أوراق القضية الثالثة، وهي الخاصة بإضراب المحلة أبريل 2008، وهي الأحداث التي أوقعت عددا من الشهداء والمصابين، فضلا عن إلقاء القبض على العشرات.
قاد عبدالفتاح فريق الدفاع عن المتهمين وأذهل الجميع بأدائه المهني، وانصب تركيزه على ثلاثة أشياء، أولها ألا يؤثر حضور فريق الدفاع التطوعي على المحامين الموكلين من الأهالي، وثانيها تشجيع شباب المحامين المتطوعين للعمل في القضية للترافع وكسر الهيبة التي يتضمنها الوقوف أمام محكمة بأهمية محكمة أمن الدولة العليا طواريء، وثالثها بذل اكبر جهد ممكن لتأصيل وتأسيس مجموعة من الدفوع القانونية للرد على الاتهامات الموجهة للمتهمين، وخصوصا تهمة "التجمهر".
انتهت القضية ببراءة 27 والحكم على 22 آخرين بالحبس لمدد متفاوتة، وهو الحكم الذي ترك أثرا مريرا في نفس سيف عبر عنه في مقابلات تليفزيونية وحوارات صحفية أجريت معه فيما بعد.
القضية الرابعة كانت حرية المعتقد، والخاصة بالمدون السكندري كريم عامر، بعد نشره تدوينات عن الدين الإسلامي، وفيها دفوعه استعان سيف بقضايا مشابهة، ومنها قضية كتاب "الشعر الجاهلي" لطه حسين، وكذا كتاب "من هنا نبدأ" لخالد محمد خالد، ومقال "لماذا أنا ملحد؟" لاسماعيل أدهم، فضلا عن دفعه بالسؤال "هل يحاكم المتهم على فعل الردة وهو غير مجرم في القانون المصري؟".
أما القضية الخامسة فهي قضية تفجيرات طابا 2005، والخاصة بالقبض على شباب اتهموا بالانضمام إلى جماعات مخالفة للقانون. في هذه القضية التي صدرت فيها أحكام أولية بالإعدام، ركز فيها سيف على الدفع بعدم دستورية تأسيس محاكم أمن الدولة العليا وكذلك القبض التعسفي، وانتهت في يونيو عام 2013 حيث قضت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية الاعتقال التعسفي الذي طالب به عبدالفتاح مرارا. وهو أيضا ما طالب به في اوراق القضية الأخيرة التي تضمنها الكتاب وهي قضية خلية الزيتون عام 2010، والتي لم يهدأ سيف فيها حتى حطم أبواب سجن المتهمين فيها.